الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
82
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
الخطاب لقريش الذين سيقت هذه القصص لعظتهم . والمرور : مجاوزة السائر بسيره شيئا يتركه ، والمراد هنا : مرورهم في السفر ، وكان أهل مكة إذا سافروا في تجارتهم إلى الشام يمرّون ببلاد فلسطين فيمرون بأرض لوط على شاطئ البحر الميّت المسمّى بحيرة لوط . وتعدية المرور بحرف ( على ) يعيّن أن الضمير المجرور بتقدير مضاف إلى : على أرضهم ، كما قال تعالى : أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلى قَرْيَةٍ [ البقرة : 259 ] . يقال : مر عليه ومرّ به ، وتعديته بحرف ( على ) تفيد تمكّن المرور أشدّ من تعديته بالباء ، وكانوا يمرّون بديار لوط بجانبها لأن قراهم غمرها البحر الميت وآثارها باقية تحت الماء . والمصبح : الداخل في وقت الصباح ، أي تمرّون على منازلهم في الصباح تارة وفي الليل تارة بحسب تقدير السير في أول النهار وآخره ، لأن رحلة قريش إلى الشام تكون في زمن الصيف ويكون السير بكرة وعشيّا وسرى ؛ والباء في وَبِاللَّيْلِ للظرفية . والخبر الذي في قوله : وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مستعمل في الإيقاظ والاعتبار لا في حقيقة الإخبار ، وتأكيده بحرف التوكيد وباللام تأكيد للمعنى الذي استعمل فيه ، وذلك مثل قوله : وَإِنَّها لَبِسَبِيلٍ مُقِيمٍ في سورة الحجر [ 76 ] . وفرع على ذلك بالفاء استفهام إنكاري من عدم فطنتهم لدلالة تلك الآثار على ما حلّ بهم من سخط اللّه وعلى سبب ذلك وهو تكذيب رسول اللّه لوط . وقد أشرنا إلى وجه تخصيص قصة لوط مع القصص الخمس في أول الكلام على قصة نوح وتزيد على تلك القصص بأن فيها مشاهدة آثار قومه الذين كذبوا وأصرّوا على الكفر . [ 139 - 144 ] [ سورة الصافات ( 37 ) : الآيات 139 إلى 144 ] وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ ( 139 ) إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ ( 140 ) فَساهَمَ فَكانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ ( 141 ) فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ ( 142 ) فَلَوْ لا أَنَّهُ كانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ ( 143 ) لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ ( 144 ) يونس هو ابن متّى ، واسمه بالعبرانية ( يونان بن آمتاي ) ، وهو من أهل فلسطين ، وهو من أنبياء بني إسرائيل أرسله اللّه إلى أهل ( نينوى ) وكانت نينوى مدينة عظيمة من بلاد الأشوريين وكان بها أسرى بني إسرائيل الذين بأيدي الأشوريين وكانوا زهاء مائة ألف بقوا بعد ( دانيال ) . وكان يونس في أول القرن الثامن قبل المسيح ، وقد تقدم ذكره وذكر قومه في الأنعام وسورة يونس .